ابن كثير
77
البداية والنهاية
أرى والله أن تلحق به سريعا فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت . قال : قلت والله إن هذا الرأي قال : فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه . فقال : من الرجل ؟ فقلت عدي بن حاتم ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال : قلت في نفسي والله ما هذا بملك . قال : ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال " اجلس على هذه " قال قلت : بل أنت فاجلس عليها . قال " بل أنت " فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض ، قال : قلت في نفسي : والله ما هذا بأمر ملك ، ثم قال " إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا ( 1 ) " قال قلت : بلى ! قال : " أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع " قال : قلت : بلى ! قال " فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك " قال قلت : أجل ! والله . قال : وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال " لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم ، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه إنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم " . قال : فأسلمت ، قال : فكان عدي يقول : مضت اثنتان وبقيت الثالثة ، والله لتكونن وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت ، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى هذا البيت ، وأيم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه ( 2 ) . هكذا أورد ابن إسحاق رحمه الله هذا السياق بلا اسناد وله شواهد من وجوه أخر . فقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، سمعت سماك بن حرب ، سمعت عباد بن حبيش ، يحدث عن عدي بن حاتم . قال : جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب ( 3 ) فأخذوا عمتي وناسا فلما أتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فصفوا له . قالت : يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد ، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن علي من الله عليك . فقال : ومن وافدك ؟ قالت : عدي بن حاتم ، قال : الذي فر من الله ورسوله ؟ قالت : فمن علي فلما رجع ورجل إلى جنبه - ترى أنه علي - قال سليه حملانا ، قال فسألته فأمر لها عدي : فأتتني فقالت لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها وقالت إيته راغبا أو راهبا فقد أتاه فلان فأصاب منه ، وأتاه فلان فأصاب منه . قال : فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي ، فذكر قربهم منه ، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر . فقال
--> ( 1 ) الركوسي : من الركوسية وهم قوم دينهم بين دين النصارى والصابئين . ( 2 ) سيرة ابن هشام ج 4 / 225 - 227 . ( 3 ) عقرب هكذا بالأصل ، ولعل الصواب عقرباء ، وهي اسم مدينة الجولان وهي كورة بدمشق .